السيد محمد تقي المدرسي
71
من هدى القرآن
الفارغة الموجودة في سلسلة العلل التي تفصل بين مشيئة الإنسان وتحقق العمل ، فأنت تريد إنجاب أولاد ، ولكن هل تملك في صلبك القدرة على ذلك ؟ وهل توفق لزوجة مناسبة ؟ وهل تضمن ألَّا تكون عقيمة ، أو تجهض حملها بسبب طارئ ؟ وعشرات الأسئلة التي ترتسم في ذهن أي واحد منا حين يريد أن يحقق إنجازا . وإذا فتشنا عن جذر هذه الأسئلة لعرفنا أن الأهداف التي شئنا بلوغها وخابت مساعينا إليها بما لم نحسب لها حسابا خلفت في عقولنا هذا الخوف الرهيب ألَّا نوفق - مرة أخرى - إلى ما نبتغيه . وصدق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام إذ يقول : « عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ » « 1 » . تعال وجرب للمرة الألف ، اعقد عزم قلبك على خطة بعيداً عن التوكل على الله ثم انظر كيف تقفز أمامك العقبات غير المحسوبة . من هنا أُركزت في فطرة الناس هذه الحقيقة ، أن أَزِمَّة الأمور ليست بأيديهم وأن هناك قدرا من الغيب في كل عمل يساهم في نجاحه أو فشله . وقدرة الله على النشأة الأولى من حين النطفة حتى الموت تؤكد على بعثه إياه مرة أخرى للجزاء . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وكلمة عَلَيْهِ تشير إلى أن البعث للحساب حق وعهد قطعه الله على نفسه . وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى قد يتصور الإنسان بالنظر إلى الأسباب الظاهرة للغنى أنه هو الذي يغنى نفسه ، ولكنه حينما يتعمق يجد أن غناه من عند الله وبتوفيقه . إذن فلماذا يغتر بماله ويتكبر على الحق اعتمادا عليه ؟ ! . ويتساءل البعض : إذا كانت الأمور بيد الله وأن إليه منتهاها فلماذا السعي إذن ؟ وكيف أن ربنا بيَّن آنفا أن ليس للإنسان إلا ما سعى ؟ وربما اتخذ البعض من آيات كهذه تبريرا لتقاعسهم أو دليلا على مذهب الجبر المرفوض عقلا وشرعا . بيد أن النظر الشامل في الآيات يجيب عن هذه التساؤلات ، كيف ؟ . إن الأمور بيد الله ، ولكن الله يأمر بالحق ويجريه ، فهو الذي يضمن العدالة الجارية في الخلق ، وهو الذي يعيد سعي الإنسان إليه ، ويجازيه عليه الجزاء الأوفى . ولولا العقيدة بأن الله يضمن تنفيذ العدالة لزعم البعض أنه يستطيع أن يتهرب من مسؤولية سعيه . أو كان يخشى من ضياع سعيه . إذن السعي هو محور الجزاء ، ولكن الجزاء بيد الله فليس سعيك يوصلك إلى ما تريد مباشرة ، بل عبر إرادة الله وجزائه ، فتكون المعادلة على النحو التالي :
--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 250 .